الرئيسية / المقالات / السياسات الاقتصادية والمالية / السياسات الاقتصادية لمرحلة ما بعد جائحة كورونا (3)

السياسات الاقتصادية لمرحلة ما بعد جائحة كورونا (3)

  السياسات الاقتصادية لمرحلة ما بعد جائحة كورونا (3)

ا.د. اسعد حمود السعدون

اكاديمي وخبير اقتصادي

 

يتفق العالم اجمع على ان مرحلة ما بعد كورونا تختلف عن المرحلة السابقة لها , فقد اعطت الجائحة  دروسا غاية في الاهمية لصناع السياسات تعينهم على اكتشاف خارطة طريق جديدة لتحقيق الامن الانساني بكل ابعاده السياسية والاقتصادية والاجتماعية , واثبتت ان التنوع في الموارد وفي توطين الاستثمار الحقيقي قوة, وهو قوة اكبر حينما يتم اختيار القطاعات المراد الاستثمار فيها من تلكم التي تتميز بالقدرة على التجدد والنمو, وفي نفس الوقت يتوفر لها القاعدة المادية والبشرية المناسبة, ومتجذرة في ارتباطها بالسوق والبيئة المعاشة,  الامر الذي يتيح مرونة اكبر للتعامل مع المتغيرات والازمات التي قد تواجه المجتمع, وتصيب أيا من قطاعاته، ويمنح الدولة والمجتمع قدرة اكبر للمناورة وتحجيم وتدنية أضرارها، والحفاظ على مسيرة الاقتصاد واتجاهات نموه مستقرة ان لم تكن متصاعدة , ولاحظنا كيف ان الاقتصادات الريعية النفطية التي لم تستثمر هذه الثروة بشكل ذكي , اهتزت اركانها بعد تدهور اسعار النفط بسبب تراجع الطلب بفعل تداعيات جائحة كورونا , بينما كانت الدول متنوعة الموارد اكثر استقرارا حتى وان كان النفط احد المكونات المهمة في هيكلها الاقتصادي, على الرغم من سخاء انفاقها على متطلبات مواجهة الجائحة وتداعياتها  . وحينما ننظر الى ذلك من زاوية الاقتصاد البحريني ومرئيات قيادة البلاد الحكيمة لتنميته وتطويره ومنحه المرونة الكافية لمواجهة الازمات, نجد حزمة واسعة من المبادرات التي اكد عليها جلالة الملك حمد بن عيسى ال خليفة عاهل البلاد المفدى في خطابه السامي في افتتاح دور الانعقاد الثاني من الفصل التشريعي الخامس لمجلسي الشورى والنواب يوم الاحد الثالث عشر من اكتوبر 2019, على مواصلة ” توجيه عناية فائقة لقطاع النفط والغاز في ضوء الاكتشافات الكبيرة التي أعلنا عنها مؤخرا ووجهنا بتسريع خطى التطوير في مشاريعها “، اضافة الى ما تم تدشينه من مجموعة حيوية واعدة من المشاريع التنموية الكبرى، مثل أكبر توسعة لمصفاة شركة بابكو، وتوسعة شركة بنغاز، وافتتاح مرفأ الغاز المسال، ومشروع خط الانتاج السادس بشركة ألبا، وتشغيل خط الأنابيب الجديد مع المملكة العربية السعودية, وتطوير قطاع النقل والمواصلات والاتصالات، عبر توسعة مطار البحرين الدولي، والبدء بتنفيذ جسر الملك حمد, وتطوير العديد من المشروعات اللوجستية, وانشاء وتطوير المزيد من الواجهات والمسطحات المائية، وتنويع وتكثيف المساحات الزراعية بما يقود الى تحسين البيئة والتقليل من آثار التغيرات البيئية الضارة وتعزيز الامن الغذائي الذي تعرضنا له في مقال سابق . لقد حان الوقت لتسريع وتفعيل هذه المشروعات وجني ثمارها من جانب , ومن جانب اخر, نعتقد ان مرحلة ما بعد كورونا تتطلب تفعيل دور القطاع الخاص والقطاعات غير الربحية , ليس من خلال دعمها المالي واللوجستي للتوسع بالاستثمار فحسب , بل من خلال تأسيس شركات استثمارية مختلطة بين هذه القطاعات والقطاع العام , وطرح نسبة من اسهمها للاكتتاب الشعبي العام , واختيار مشروعات استثمارية ذات جدوى اقتصادية وبيئية عالية, مثل الاستثمار في قطاع الصناعات والخدمات البحرية, والاستثمار في القطاع السياحي , والاستثمار في التعليم العام والعالي , والاستثمار في القطاع الصحي, وغيرها من القطاعات التي يمكن ان تحقق عوائد مالية واجتماعية متواصلة , على ان تكون جزءا من منظومة السياسات الاقتصادية الجديدة التي تمثل جزءا اصيلا من استراتيجية المملكة في الرد الحضاري على تداعيات جائحة كورونا, ويؤدي استخدامها وتطبيقها إلى تحقيق الأهداف الاستراتيجية لرؤية البحرين الاقتصادية 2030 ووفق الأولويات المعتمدة اقتصاديا واجتماعيا وبيئيا, وفي إطار الاستغلال الأمثل للموارد المتاحة أو المخطط اتاحتها بأنواعها المتعددة (المادية و البشرية, المالية وغيرها)  بحيث تحقق أعظم المنافع للمجتمع بأقل التضحيات على كل الاصعدة( الامن المعيشي, الرفاهية, الموارد , الزمن) .  سيما وان جميع تلكم المتغيرات الاقتصادية تشكل منظومة متكاملة للنشاط الاقتصادي في المجتمع ، تسهم وبشكل فاعل في تحقيق الاستقرار الاقتصادي والاجتماعي . هذه التوجهات للسياسة الاقتصادية الجديدة في مرحلة ما بعد كورونا, ينبغي ايضا ان تكون معززة لاستمرار وتنامي الخدمات المتكاملة التي تقدم للمواطنين, وداعمة للتوظيف الأمثل للموارد الوطنية, ومراعية لحقوق ومكتسبات المواطنين, ومحققة للتوازن فيما بين ذلك . فالسياسة الاقتصادية الجديدة التي نطمح ان نراها في البلاد في مرحلة ما بعد كورونا ينبغي ان تضع  خارطة طريق جديدة تتعلق بالأوضاع المالية للبلاد وحالة العجز في الميزانية , اعتمادا على مواردنا الوطنية , خاصة واننا نعتمد بشكل واسع على الدعم المالي الخليجي في المرحلة الماضية في اطار برنامج التوازن المالي , وذلك خاضع لاطار زمني محدد من جانب, ومن جانب اخر ان الدول الشقيقة لديها التزاماتها التنموية ومحدداتها التمويلية , وطروفها الذاتية , مما يستلزم سياسة مالية ذكية تعتمد على الامكانات الوطنية, والتحول من نمط الوزارات التي تعتمد كليا على التمويل الحكومي الى الوزارات الريادية المنتجة

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

يمكنك استخدام أكواد HTML والخصائص التالية: <a href="" title=""> <abbr title=""> <acronym title=""> <b> <blockquote cite=""> <cite> <code> <del datetime=""> <em> <i> <q cite=""> <strike> <strong>