الرئيسية / المقالات / السياسات الاقتصادية والمالية / السياسات الاقتصادية لمرحلة ما بعد جائحة كورونا (2)

السياسات الاقتصادية لمرحلة ما بعد جائحة كورونا (2)

السياسات الاقتصادية لمرحلة ما بعد جائحة كورونا (2)

ا.د. اسعد حمود السعدون

اكاديمي وخبير اقتصادي

تشير دروس التاريخ بشقيه القديم والحديث, الى ان اهم صفة للقادة الاستراتيجيين انهم لا يحصرون مرئياتهم في الواقع المعاش , بل يتطلعون للمستقبل , ويعدون تشكيله وصياغته الهدف الاهم في استراتيجيتهم للبناء والنهوض, وحيث ان المستقبل لم يحدث بعد, فان التطلع اليه يتطلب توقع الازمات والاحداث السلبية والايجابية التي يمكن ان تحصل, ووضع سيناريوهات للحلول والمعالجة, والتعامل الامثل مع مختلف متغيراتها بدءا من الحاضر . وهذا ما نتلمسه تماما في خطاب جلالة الملك حمد بن عيسى ال خليفة عاهل البلاد المفدى  في افتتاح دور الانعقاد الثاني من الفصل التشريعي الخامس لمجلسي الشورى والنواب يوم الأحد/ الثالث عشر من أكتوبر/2019 حيث اشر ملامح المستقبل, ووضع خريطة طريق للتعامل المسبق مع مستجداته, وهاهي ازمة جائحة كورونا (كوفيد19) جاءت لتثبت صحة القراءة الاستراتيجية لجلالته, والمنهج الذي اعتمده في تحليله الموضوعي لمتطلباته, والخطط الاستباقية التي وجه باعتمادها للتصدي لأزماته المتوقعة , بحيث كان سابقا لدعوات جميع المنظمات الاقليمية والعالمية لحكومات دول العالم للقيام ” باستجابة طارئة وسريعة من اجل حماية شعوبها من براثن الفقر وانعدام الامن الغذائي نتيجة لتداعيات وباء كورونا ” , فقد وجه جلالته في خطابه السامي قبل ظهور جائحة كورونا الحكومة للتصدي وبحزم لفجوة الامن الغذائي, بالقول  ” بالنظر إلى الجهود العالمية المتواصلة في إيجاد حلول ترتقي بجودة حياة الإنسان واستمرار تمتعه بالعيش الكريم، وخصوصا في مجال تحقيق الأمن الغذائي، تبادر البحرين، بكل جدية، بتبني الحلول المناسبة لتطوير مجالات الاكتفاء الذاتي، حيث أصدرنا توجيهاتنا، بوضع وتنفيذ ((مشروع استراتيجي للإنتاج الوطني للغذاء))، ليشمل تخصيص مواقع متعددة للاستزراع السمكي والإنتاج النباتي . ويهدف المشروع بشكل رئيسي، إلى تطوير القدرات الوطنية في مجال الصناعات الغذائية ورفع نسبة الإنتاج المحلي، والحفاظ على خبرة أصحاب تلك المهن ليكونوا جزءا هاما في إنجاح تلك المشاريع “. لقد وضع جلالة الملك المفدى يده على اهم ثغرة في الامن الاقتصادي للمملكة , وان معالجتها تعد اعظم انجاز يمكن ان تحققه البحرين في المرحلة الراهنة ومرحلة التعافي من كورونا , سيما وان دول مجلس التعاون الخليجي عموما  تعاني من أزمة غذاء مستديمة, من ابرز مظاهرها الاعتماد شبه الكلي في توفير السلع الاستراتيجية مثل الحبوب والزيوت والسكر واللحوم وغيرها على الاستيراد من الخارج, وكانت ولم تزل عرضة للارتفاع الحاد في تكاليف الإنتاج مما يقود الى الارتفاع في أسعار السلع, الامر الذي يدفع الحكومات الى دعم فاتورة الغذاء وتحميل ميزانياتها العامة اعباء اضافية  تتصاعد مع زيادة عدد السكان , ومملكة البحرين بحكم المحددات الجغرافية والطبيعية والاقتصادية والبشرية التي حدت من الرقعة الزراعية فيها, وجعلتها تعتمد بشكل يكاد يكون كليا على السلع والمنتجات الزراعية والحيوانية المستوردة, هي الاكثر اختلالا في امنها الغذائي, على الرغم من توجه حكومة البحرين نحو البلدان الأسيوية ليس لاستيراد المزيد من تلك المنتجات وتأمين إمدادات متواصلة فحسب بل للبحث عن حلول متوسطة وبعيدة المدى تحقق الأمن الغذائي لمواطنيها, فقد طلبت تملك مساحات واسعة من الأراضي في جمهورية الفلبين من أجل زراعة الأرز , كما وقعت اتفاقيات تعاون مع السودان وحصلت على اراضي واسعة لغرض الاستثمار الزراعي . فضلا عن المبادرة الوطنية الرائدة (المبادرة الوطنية لتنمية القطاع الزراعي) التي قادتها صاحبة السمو الملكي الاميرة سبيكة بنت ابراهيم ال خليفة قرينة صاحب الجلالة الملك المفدى، رئيسة المجلس الأعلى للمرأة, والتي كان لها دورا كبيرا في الحفاظ على القطاع الزراعي الذي كاد ان يندثر بفعل عوامل عديدة  .  وحيث ان تداعيات جائحة كورونا اثبتت بما لا يقبل الشك, ان الدول في ظل الازمات لا تفكر بالتصدير ولا تنشغل بإعانة الدول الاخرى, او في انفاذ تعاقداتها معها, انما توجه كل امكاناتها لتوفير متطلبات الحياة لشعبها , الامر الذي يتطلب من الحكومة والقطاع الخاص الاسراع في توسيع قاعدة المشروعات التي تضمنتها توجيهات جلالة الملك المفدى في هذا القطاع الهام, والتعاون في مجال البحث عن افضل المشروعات التي يمكن ان تحقق توجيهات جلالته في انفاذ المشروع الاستراتيجي للإنتاج الوطني للغذاء , ونشير هنا الى عدد من التدابير التي يمكن ان تسهم في ذلك منها: ضرورة تحسين كفاءة الإنتاج الزراعي عبر البحوث والدراسات الميدانية للتربة والمياه, ونقترح انشاء مركز علمي متخصص بالدراسات الاقتصادية والبيئية, ليقوم بهذه المهمة الى جانب مهام اخرى تتعلق بسبل تعزيز الامن الغذائي في ضوء معطيات بيئة مملكة البحرين , كما ندعو الى ضرورة ترشيد استخدام المياه ووقف الهدر بالموارد المائية في القطاعات ذات القيمة المضافة المنخفضة، مع التأكيد على اهمية الحد من زحف التنمية العقارية على الاراضي الزراعية, وتعديل أنماط الاستهلاك, تشجيع الزراعة المنزلية في الحدائق واسطح المنازل والبنايات والشرفات, وتشجيع زراعة النخيل والاشجار المثمرة في البيوت والحدائق العامة والجزرات الوسطية للشوارع, وتشجيع تربية الطيور والماشية والابقار في المزارع, والتوسع في انشاء احواض الاسماك على امتدادات السواحل البحرية, فضلا عن دعم انشاء شركات للصيد والتصنيع السمكي في اعالي البحار, واعتماد الحلول التكنولوجية المعاصرة في الزراعة وتوفير المياه مثل الزراعة المائية، التي يمكن أن تقلل من استخدام المياه بنسبة (40-60 )%. واعتماد تكنولوجيا تسييل بخار الماء من رطوبة الجو . وحيث ان العلاقات البحرينية مع المملكة العربية السعودية علاقات متفردة ومتميزة وضاربة جذورها في عمق التاريخ, تتداخل فيها الروابط الاجتماعية القبلية والاسرية, وتتداخل فيها المصالح الاقتصادية والتفاهمات والرؤى السياسية, وتزيدها التحديات الاستراتيجية, الاقليمية والدولية تأصلا وتشابكا وتناميا . ويمنحها الجوار الجغرافي بيئة خصبة على الثبات والتجذر . حتى انها اضحت نموذجا للسمو في العلاقات الثنائية بين دولتين, وعد التنسيق والتطابق في مواقفهما السياسية عبر التاريخ, وازاء مختلف القضايا والانشغالات الوطنية والاقليمية والدولية انعكاسا صادقا لذلك المستوى المزدهر من التكامل والتوحد, وبما ينعكس إيجاباً على شعبيهما الشقيقين وشعوب دول الجزيرة والخليج العربي , فقد آن الاوان لتشابك وتكامل اقتصادي حقيقي ليس على مستوى الاقتصاد الكلي فحسب, بل بدءا من المشروعات الاقتصادية المشتركة بين القطاع الخاص البحريني والسعودي, وخاصة في مجالات الامن الغذائي بأبعاده الاربعة الاكثر اهمية ((الزراعة , الصيد , الرعي, الصناعات الغذائية)) وبأشراف ومتابعة من مجلس التنسيق السعودي البحريني المشترك . ان النجاح في ذلك هو القاعدة الرصينة للأمن الاقتصادي للبحرين . بالإضافة الى إقامة مناطق حرة زراعية خاصة في البلدان التي تسمح قوانين الاستثمار فيها بهذا النمط من الاستثمار الأجنبي, وبما يساعد على إقامة مشروعات زراعية بحرينية كبيرة في الخارج, تسهم في تأمين قسم من احتياجات المملكة من المنتجات الزراعية والحيوانية . ويبقى الاشارة الى ضرورة توجيه القطاع المالي والمصرفي في توفير التمويل اللازم للاستثمار في القطاع الزراعي بالمملكة باقل ما يمكن من الفوائد والارباح, ولأطول فترة ممكنة وبضمانات الحكومة وليس المستثمر , على ان يكون ذلك للمواطنين حصرا . حفظ الله البحرين خليفية خليجية عربية مسلمة .

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

يمكنك استخدام أكواد HTML والخصائص التالية: <a href="" title=""> <abbr title=""> <acronym title=""> <b> <blockquote cite=""> <cite> <code> <del datetime=""> <em> <i> <q cite=""> <strike> <strong>