الرئيسية / المقالات / السياسات الاقتصادية والمالية / السياسات الاقتصادية لمرحلة ما بعد جائحة كورونا (1)

السياسات الاقتصادية لمرحلة ما بعد جائحة كورونا (1)

 السياسات الاقتصادية لمرحلة ما بعد جائحة كورونا (1)

 ا. د. اسعد حمود السعدون

           اكاديمي وخبير اقتصادي

لاريب ان لكل مرحلة زمنية طالت ام قصرت ملامحها واولوياتها التنموية ,ومرحلة التعافي من جائحة كورونا والتي ينبغي الاستعداد والتعامل المسبق لها, ستكون مرحلة محملة بتبعات مالية واقتصادية ثقيلة جراء التضحيات الكبيرة التي تحملها الاقتصاد والمجتمع البحريني في مرحلة جائحة كورونا. وقبل الحديث في السياسات الاقتصادية التي تتطلبها هذه المرحلة, لابد من تأكيد حقيقة لا تقبل الجدل, وهي ان الله سبحانه وتعالى قد منح البلاد قيادة حكيمة رشيدة, تنظر بعيدا وبشمولية لمختلف القضايا والانشغالات الوطنية, على رأسها جلالة الملك حمد بن عيسى ال خليفة عاهل البلاد المفدى الذي اظهر منذ تسلمه مقاليد الحكم في البلاد حتى اليوم مقدرة عالية على قراءة المتغيرات والعوامل التي ستؤثر في صياغة بنية وعلاقات واحتياجات المجتمع في المستقبل,  وقد جاء خطاب جلالته في افتتاح دور الانعقاد الثاني من الفصل التشريعي الخامس لمجلسي الشورى والنواب يوم الأحد/ الثالث عشر من أكتوبر/2019 ليصوغ ملامح السياسات الاقتصادية لمرحلة التعافي من جائحة كورونا وكأنه يرى الجائحة وتداعياتها ومتطلبات مواجهتها , لذا نقول وبكل مسئولية ان الاسراع في تنفيذ توجيهات جلالة الملك المفدى في هذا الخطاب هي القاعدة الامثل للسياسة الاقتصادية لمرحلة التعافي , وهي الصفـحة الاولى من صفحـاتها, والتي تسهم بشكل كبير في تحقيـق الامن الاقتصادي والاجتماعي للبحرين شعبا ووطن, وتأخذ به على طريق التنميـة الاقتصادية الحقيقية المستدامـة . وقد تناولنا هذا الخطاب المبارك بالتحليل المفصل في صحيفة اخبار الخليج بأربعة مقالات بعنوان” ملامح من السياسات التنموية للمرحلة القادمة في خطاب جلالة الملك المفدى” وذلك اعتبارا من 18/ اكتوبر/2019 ولغاية 26/ اكتوبر/2019 , وقد عبرت تلك التوجيهات عن مرئيات جلالته الرشيدة في التطور والنهضة ومواكبة واستباق المتغيرات الاقتصادية والتقنية المؤثرة في تشكيل المتطلبات التنموية للمرحلة القادمة, فضلا عن تأمل واستذكار وتحليل واستنباط الدروس والعبر التي تنضح من الواقع المعاش, وتأشير للمعالم الابرز التي انبثقت من صيرورة التجربة الاروع التي وضع جلالته اطرها الرئيسية, ومافتأ في كل مناسبة وبطرق مختلفة يوجه الحكومة ورجالات المملكة وسلطاتها التنفيذية والتشريعية والقضائية والاعلامية والقطاع الخاص ومنظمات المجتمع المدني بضرورة الالتزام بها والحرص على مواصلة تنفيذ حلقاتها المتعددة كل من موقعه , وبأقصى ما يمكنه من عزم واقتدار  .  وحينما نعيد قراءة توجيهات جلالة الملك المفدى في سياق تداعيات جائحة كورونا والتحولات الاقتصادية التي يشهدها العالم جراءها, نجد انها ليست مواكبة تقليدية, بل سبق في التخطيط التنموي الاستراتيجي, لذا ينبغي تنفيذها في سياق انجازات تنموية متواصلة وليس انجاز مشروعات منفصلة عن بعضها البعض, واستجابة دقيقة لمتطلبات التنمية الوطنية المستدامة وبما ينسجم مع رؤية طموحة لمستقبل واعد,  يتناغم مع معطيات الثورة العلمية والتكنولوجية والاقتصادية المعاصرة, وصولا الى بناء انموذج لدولة ديناميكية متحفزة للأمام, قادرة على تحقيق الرفاهية المستدامة لشعبها, عبر توليد مصادر دخل متنوعة ومستدامة ومتفاعلة مع المستجدات الاقليمية والدولية, بدلا من تلك الرفاهية التي سادت في العقود الماضية والمبنية على ريع النفط, الذي لم يصمد امام الازمات واخرها جائحة كورونا, ودون ان تفقد خصوصيتها الوطنية وارادتها الحرة المستقلة , الامر الذي يتجلى في الخطاب السامي لجلالته عبر رسم جملة مهام تنموية في غاية الاهمية , تمثل بحق خريطة طريق ينبغي انجازها في المرحلة القادمة بتعاون السلطتين التشريعية والتنفيذية والقطاع الخاص , خدمة للشعب وارتقاء بالوطن وضمانا للمستقبل, وان تنفيذها بالعمق الروحي والرؤية الشمولية التي يتطلع اليها قائد المسيرة جلالة الملك المعظم, وباطار استراتيجي يوازن بين الامكانات المتاحة والمتطلبات والطموحات ووفقا لبرنامج زمني يحدد الاولويات والمهام    .  وان في مقدمة مهام المرحلة القادمة التي أكد عليها جلالة الملك المفدى في خطابه بافتتاح المجلس الوطني ” أن تباشر الحكومة بوضع خطة وطنية شاملة تأمن لنا الاستعداد الكامل للتعامل مع متطلبات الاقتصاد الرقمي، بتبني وتوظيف تقنيات الذكاء الاصطناعي في القطاعات الانتاجية والخدمية، من خلال وضع الأنظمة اللازمة، واستكمال البنى التقنية، وتشجيع الاستثمارات النوعية، لضمان الاستفادة القصوى من مردود ذلك على اقتصادنا الوطني ” , وذلك انطلاقا من ايمان جلالة الملك المفدى وادراكه العميق لطبيعة التطورات العلمية والمعلوماتية المعاصرة واثارها العميقة على الاقتصاد والمجتمع, وقد اثبتت تداعيات جائحة كورونا ان الاقتصاد الرقمي فارس الساحة الذي تحدى الجائحة, ولم يخضع لإملاءاتها, وانه لم يعد مجرد اساليب تقنية لتطوير الاداء, وليس خيار تقني بين خيارات اخرى, تملك الدول وقطاعاتها الاقتصادية, الحرية في اعتمادها من عدمه, انما اصبح ضرورة لا مناص منها لاستمرار متطلبات الحياة الاقتصادية والاجتماعية, وانه في مرحلة ما بعد كورونا العنصر الاهم من عناصر البيئة التنافسية الاقليمية والعالمية التي تواجهنا, وسيكون تحول وجوبي لابد منه, يستوجب اعادة شاملة للهندسة الاقتصادية, وتحديث جوهري في النظم والسياسات الاقتصادية في مختلف دول العالم, وتغييرا شاملا في وسائلها والياتها عبر التحول إلى الأنظمة والمنصات الرقمية التكنولوجية لتطوير أعمالها لمواكبة العصر الجديد, عصر الثورة الصناعية الرابعة, فضلا عن ايجاد البيئة التشريعية والرقابية واللوجستية المناسبة له, فهو منعطف جديد لنظم الاعمال العامة والخاصة في العالم, يمتد بآثاره وعلاقاته الخلفية والامامية الى مختلف القطاعات الاقتصادية(الانتاجية والخدمية) والثقافية والتعليمية . ومن حسن حظ البحرين , لابل من حسن مرئيات قيادتها, انها كانت سباقة في بناء بيئة حاضنة بكل ما يتعلق بالذكاء الصناعي والتكنولوجيا المالية والابتكار, وتشجيع الشركات الناشئة وايجاد البيئة التشريعية المناسبة , وجذب الشركات والاستثمارات الاجنبية في هذه القطاعات, وكانت أول دولة في المنطقة تسمح للمؤسسات المالية بأن تستخدم الحوسبة السحابية بشكل كامل, كما انها اول دولة طبقت تكنولوجيا (بلوك تشين Blockchain او سلسلة الكتل) . وقد نجحت نجاحا كبيرا وسريعا في مجال تعزيز اعتماد القطاع المالي والمصرفي نظم واليات التكنولوجيا المالية . واعتمد مصرف البحرين المركزي ما يسمى ب (sandbox) ساند بوكس وهو يعتبر الاول من نوعه في المنطقة لحث رواد الاعمال في المساهمة بتقديم الحلول المبتكرة للتكنولوجيا المالية. كما قام بإرساء قواعد البنية التنظيمية والتشريعية  للتكنولوجيا المالية, وإطلاق وحدة خاصة بالتكنولوجيا المالية, وبيئة تجريبية رقابية لاختبار حلول التكنولوجيا المالية . وبتعاونه مع مجلس التنمية الاقتصادية تم تأسيس مركز الخليج للتكنولوجيا المالية عام 2018م , الذي يمثل أكبر مركز متخصص للتكنولوجيا المالية في الشرق الأوسط وشمال إفريقيا,  واسست مملكة البحرين اول مركز للتكنولوجيا المالية الاسلامية والتنمية المستدامة في عام 2018 م . وغيرها من الانجازات في مجال تحديث القطاع المالي والمصرفي الذي يعد ذراع مهمة واساسية لتحديث الاقتصاد الوطني برمته .

وبعد ان وضعت الحكومة القاعدة الضرورية للنهضة التقنية, واتاحت فرصا واسعة لقطاع الاعمال لاستيعابها واعتمادها, من خلال ما وفرته خلال السنوات الماضية في مجالات التدريب والتأهيل والتحفيز واعداد الدراسات العلمية والمهنية, وتنظيم المؤتمرات والورش والملتقيات العلمية العديدة, وطبقت معطياتها اثناء جائحة كورونا, فقد ان الاوان لوضع خطة وطنية شاملة, مقترنة بحزمة متكاملة من  الاجراءات, والتشريعات, واعادة هيكلة وتوصيف القطاع الحكومي, لتحويل المشهد الاقتصادي والاداري البحريني برمته نحو الاقتصاد الرقمي واعتماد احدث المنتجات والاساليب التقنية في مختلف انشطته الانتاجية والخدمية, وتكثيف استخدامها وجوبا, من خلال ربط الدعم والاحتضان الحكومي والتوظيف بالقدرة المتنامية على التعامل معها, وعد معيار القدرة على الابتكار والابداع في الاداء والتطوير المتواصل, وتحقيق قيمة مضافة متنامية عبر اعتماد الرقمنة ومنتجات الثورة الصناعية الرابعة الاخرى, واحدا من المعايير الاساسية للولاء الوطني القائم على الانتاجية , وإدخال إصلاحات جذرية في برامج التعليم، وتطوير المناهج في المدارس والجامعات ومختلف المؤسسات التعليمية، والتوسع في التخصصات الجامعية الموائمة لهذه التوجهات, والحرص كل الحرص على توطين منصات ومعامل وشبكات وتقنيات الاقتصاد الرقمي داخل البلاد وليس استيراد خدماتها عبر الشبكات الدولية, والاستفادة من تجارب الدول والشركات ذات القدم الراسخة في هذا المجال, وبما يسهم في دعم سياسات تنويع الاقتصاد, وتحفيز القطاع الخاص، واستقطاب الاستثمار الأجنبي، وتعزيز الشراكة بين الحكومة والقطاع الخاص .

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

يمكنك استخدام أكواد HTML والخصائص التالية: <a href="" title=""> <abbr title=""> <acronym title=""> <b> <blockquote cite=""> <cite> <code> <del datetime=""> <em> <i> <q cite=""> <strike> <strong>