الرئيسية / آخر الأخبار / الامن الاقتصادي للمعلم السبيل الى نهضة الاوطان

الامن الاقتصادي للمعلم السبيل الى نهضة الاوطان

الأمن الاقتصادي للمعلم السبيل إلى نهضة الأوطان

بقلم: د. أسعد حمود السعدون 

اخبار الخليج – الأربعاء ٠٦ يونيو ٢٠١٨ – 01:15

كرم الله جل في علاه المعلم أيما تكريم حينما عدّ الأنبياء والرسل معلمين للبشرية، فقد جاء في محكم كتابه العزيز «رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولاً مِّنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ إِنَّكَ أَنتَ العَزِيزُ الحَكِيمُ» سورة البقرة (آية129). وفي سورة اخرى قال سبحانه وتعالى «لَقَدْ مَنَّ اللّهُ عَلَى الْمُؤمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولاً مِّنْ أَنفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِن كَانُواْ مِن قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُّبِينٍ» سورة آل عمران (آية164). وقدوتنا ورسولنا الكريم محمد صلى الله عليه وسلم يعتز بأنه بُعث معلمًا، فيقول عليه الصلاة والسلام «إن الله عز وجل لم يبعثني معنفًا ولكن بعثني معلمًا». كما اثنى عليه افضل الصلاة وأتم التسليم على المعلم بقوله «فَضْلُ الْعَالِمِ عَلَى الْعَابِدِ كَفَضْلِي عَلَى أَدْنَاكُمْ، ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ وَأَهْلَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرَضِينَ حَتَّى النَّمْلَةَ فِي جُحْرِهَا وَحَتَّى الْحُوتَ لَيُصَلُّونَ عَلَى مُعَلِّمِ النَّاسِ الْخَيْرَ»

فما أعظم مكانة المعلم، وما أعظم دوره، وما أجلّ رسالته، وقد حافظ موروثنا العربي الإسلامي على المكانة الرفيعة للمعلم، الا ان تلكم المكانة قد تراجعت، بل انحدرت حينما اختل الامن الاقتصادي للمعلم، فقاد ذلك إلى اهتزاز القيم وانحدار التعليم وتراجع التنمية، فماذا نعني بالامن الاقتصادي للمعلم؟ وكيف ينبغي ان نعيد بناءه حتى نتمكن من بناء المجتمع قيميا وتنمويا فلا تنمية مستدامة من دون استدامة الامن الاقتصادي للمعلم؟ ولنبدأ بتعريف الامن الاقتصادي بشكل عام وصولا إلى الامن الاقتصادي للمعلم، حيث تتعدد تعاريف الامن الاقتصادي تبعا لشخص وغايات المعرف ومجال تطبيق المفهوم، فمنهم من يعرفه بأنه جميع وسائل وسياسات وإجراءات الحماية من الاختلالات التي قد تصيب الاقتصاد الوطني وتهز أسسه وتنعكس سلبا على مواطنيه، فيما عرفته الأمم المتحدة من زاوية الأفراد بأنه أن يملك الفرد الوسائل المادية التي تمكنه من أن يحيا حياة مستقرة ومُشْبعة. كما يعرف ايضا بأنه حزمة الإجراءات والتدابير التي تتخذها الدولة لتأمين الاحتياجات الرئيسية لمواطنيها بما ينسجم مع سياساتها الاقتصادية وأسلوب حياة مجتمعها وبما يخلق بيئة اقتصادية واجتماعية مستقرة. ويرى آخرون ان الأمن الاقتصادي هو امتلاك ما يكفي من النقود لإشباع الحاجات الأساسية للأفراد، كالغذاء، والكساء والمسكن اللائق، والرعاية الصحية الأساسية، والتعليم، وغيرها. وعرف تقرير التنمية الإنسانية العربية لعام 2009 الأمن الاقتصادي للفرد العربي بأنه امن الدخل، أي توافر دخل أساسي للمواطن من العمل المنتج أو من شبكة الضمان الاجتماعي الرسمية كمصدر أخير. وعُدت البطالة، ومستوى الأجور الحقيقية، والفقر، وعدم توافر شبكات رسمية للامن والحماية الاجتماعية، والاختلال في توزيع الثروة، وضعف سياسات التنمية المستدامة، أهم مصادر تهديد الأمن الاقتصادي. والأمن الاقتصادي جزء حيوي من منظومة الأمن الوطني التي تضم بالإضافة اليه عناصر أخرى عديدة كالأمن العسكري والأمن الصحي والأمن الثقافي والأمن التربوي والأمن الاجتماعي والأمن البيئي والأمن التقني فضلا عن الأمن السياسي، وعلى ضوء هذه المفاهيم نستطيع القول ان الامن الاقتصادي للمعلم هو حزمة الإجراءات والتدابير المالية والاسكانية والصحية التي تتخذها الدولة لتأمين احتياجات المعلمين وتعزيز رفاهيتهم وارتقائهم الفكري والتربوي وبما ينسجم مع مكانة المعلم الدينية والانسانية والدور المنوط به في تعزيز الهوية الوطنية والحفاظ على اللحمة المجتمعية، وبناء الاجيال عليها، وتأهيلها علميا وتربويا وبما ينعكس ايجابا على الامن والاستقرار الاجتماعي للبلاد. وفي ظل الانطلاق السريع لاقتصاد المعرفة وثورة المعلومات أصبحت الاستراتيجية الأساسية للأمن الاقتصادي المعاصر تقوم على الارتقاء بالتصنيع وامتطاء صهوة اقتصاد المعرفة وتحقيق نقلة نوعية في إنتاج السلع والخدمات ذات القيمة المضافة المرتفعة والمحتوى التقني المميز. وتعزيز بناء القدرات العلمية والتقنية لزيادة الوزن النسبي للاقتصاد الوطني إقليميا وعالميا، وتوفير مقومات اقتصاد يعتمد الابتكار بأولوية وأهمية قصوى وبمنهجية علمية هادفة إلى خلق مزايا تنافسية معززة لدور الدولة وجعلها أكثر تأثيرا في صنع القرار الاقتصادي العالمي. وأصبح التحدي الرئيس للأمن الاقتصادي الوطني يتمثل في فجوات الموارد المعرفية والتكنولوجية والبشرية‏. وهذا ما يستدعي التأكيد على أهمية البعد الإنساني في الأمن الاقتصادي، اذ إنه على درجة وعي المواطن ومستوى تأهيله وقدراته على الانطلاق والابتكار يتحقق الأمن الاقتصادي، والمعلم هو القاعدة الاساسية في تنمية وعي المواطن وتأهيله بدءا من المدرسة وصولا إلى مختلف قطاعات المجتمع، والتجارب التنموية المعاصرة للعديد من دول العالم المتقدمة كاليابان تشير إلى ان نهضتها بدأت من منح المعلم مكانته التي يستحقها، فقد سُئل إمبراطور اليابان ذات يوم عن أسباب تقدم بلاده السريع، فأجاب: «بدأنا من حيث انتهى الآخرون، وتعلمنا من أخطائهم، ومنحنا المعلم حصانة الدبلوماسي وراتب الوزير». كذلك كثير من الدول المتقدمة ان لم يكن جميعها بدأت نهضتها وأرست اسس تقدمها حينما عززت مكانة المعلم المادية والاعتبارية، مثل ألمانيا وفرنسا وغيرها، حيث إن رواتب ومخصصات وامتيازات المعلمين اعلى من تلك التي تمنح للأطباء والمهندسين والقضاة، ومما يذكر عن رئيسة وزراء ألمانيا السيدة ميركل انها قالت حينما تظاهر مجموعة من القضاة في ألمانيا مطالبين بمساواة رواتبهم بمعلمي الابتدائي «تأدبوا، كيف تطالبونني أن أساويكم بمن علموكم؟.. كما ان العديد من البلدان النامية التي شقت طريقها نحو الارتقاء بدأت برفعة المعلم وترقية التعليم مثل ماليزيا وسنغافورة وكوريا، وعلى الصعيد العربي تعد تجربة العراق في عقدي السبعينيات والثمانينيات من القرن الماضي وخاصة ابان ما سميت التنمية الانفجارية، تجربة مثالية في النهوض بمكانة المعلم والتعليم، فبالإضافة إلى المكانة الاعتبارية المرموقة للمعلم، فقد كانت رواتب ومخصصات المعلمين عالية مقارنة بالوظائف الاخرى وكافية ومجزية في ظل الظروف المعيشية التي كانت سائدة آنذاك. وامتيازات المعلمين عديدة فمثلا يمنح المعلم قطعة ارض بمساحة لا تقل عن (400) متر مربع وذلك في ارقى احياء المدن العراقية (حي المعلمين)، حيث تتوافر فيها افضل الخدمات ويمنح مبلغ (5000) دينار عراقي يعادل نحو (16650) دولار لبناء بيته، مع كمية من الاسمنت والحديد بسعر المصنع. كما ان للمعلمين في كل مدينة جمعية تعاونية استهلاكية خاصة بهم توفر مختلف السلع بأسعار مدعومة. ولهم ولأفراد اسرهم نواد اجتماعية وثقافية مميزة. ولهم اجنحة خاصة في المستشفيات الحكومية، كما ان المعلمين معفيون من الخدمة العسكرية الالزامية. وتشمل هذه الامتيازات وغيرها المعلمين في المدارس الابتدائية والمتوسطة (الاعدادية) والثانوية وأعضاء هيئات التدريس في المعاهد والجامعات، وتكون تحت مسميات اخرى مثل اسكان الجامعة، حي الكفاءات وغيرها. فكان ذلك القوة الدافعة للتقدم والنهوض الذي شهده العراق قبل الحروب العبثية التي دفع اليها والحصار والاحتلال والانهيار الذي شهده. واليوم نشعر في بلداننا العربية بحاجة ماسة إلى إعادة تحقيق الامن الاقتصادي مترافقا مع تعزيز المكانة الاعتبارية للمعلم كي نعزز الإصلاح الاقتصادي والاجتماعي في بلادنا ونتمكن من توطين حلقات منظومة اقتصاد المعرفة، التي تعد وقود المستقبل المنظور وطاقته ومحرك التنمية ومعيار التقدم، والتي تبدأ بإعداد وتأهيل وتمكين المعلم ليقوم بدوره بتأهيل الموارد البشرية المواطنة علميا وتربويا ووطنيا ويمنحها دفقا للانطلاق نحو المستقبل الذي نطمح اليه وألا نجعله بحاجة إلى تقديم الدروس الخاصة أو يجلس على قارعة الطريق أو زوايا الاسواق أو قرب المساجد ليبيع سلعا أو خضارا أو يستخدم سيارته لنقل الركاب وغيرها لأجل الحصول على دخل يسد النقص في مرتبه الشهري، ولا سيما اننا الامة التي تدرك قيمة المعلم ومكانة العلماء، واختم بقوله تعالى «قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لاَ يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الألْبَابِ» (الزمر: 9). 

 

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

يمكنك استخدام أكواد HTML والخصائص التالية: <a href="" title=""> <abbr title=""> <acronym title=""> <b> <blockquote cite=""> <cite> <code> <del datetime=""> <em> <i> <q cite=""> <strike> <strong>