الرئيسية / آخر الأخبار / اضواء على الازمة الراهنة لليرة التركية

اضواء على الازمة الراهنة لليرة التركية

اضواء على الازمة الراهنة لليرة التركية

  د. اسعد حمود السعدون

اكاديمي وخبير اقتصادي

 

في دراسة علمية معمقة بعنوان “ملامح من ازمة الدينار العراقي للمدة 1981-1992 ظواهرها ..اسبابها واثارها ” نشرت لي بمجلة الخليج العربي الصادرة عن مركز دراسات الخليج العربي  المجلد الخامس والعشرون, العدد(3-4) 1993, اشرت في مطلعها الى ان ظروف الحصار الاقتصادي المفروض على العراق آنذاك كشفت حقيقة الاختلالات الهيكلية المتعددة والمركبة التي كان يعاني منها الاقتصاد العراقي والمستترة بغطاء عوائد النفط الذي كان يمثل المعادل والمصحح لأي اختلال في التوازن الكلي سواء كان اختلالا في التوازن النقدي ام في التوازن السلعي وكان من نتاجها ان انخفضت قيمة الدينار العراقي من (3.3) دولار امريكي للدينار العراقي الواحد اواسط عام 1981 الى (3) سنت امريكي للدينار العراقي الواحد اواسط عام 1992. واليوم ونحن نتابع تطورات ازمة الليرة التركية الراهنة التي مضى على بروزها الى السطح نحو شهر تقريبا وفقدت خلالها الليرة التركية اكثر من ثلث قيمتها ازاء العملات الدولية خاصة الدولار واليورو , نجد ان الصورة لا تختلف كثيرا بين الازمتين , فكلاهما ناجمتين عن اختلالات اقتصادية متراكمة , و كانتا تغليان تحت السطح , في اول ازمة سياسية واجهتهما ورافقتها عقوبات اقتصادية , طفت الازمة الى السطح وظهرت تداعياتهما للعيان . ولا نريد في هذه المقالة اجراء مقارنة بين الازمتين النقديتين للبلدين , ولكن وددنا ان نوضح ان ما نسمعه من تصريحات لممثلي الحكومة التركية تحاول من خلالها تسويق الازمة وكأنها نتاج حرب اقتصادية امريكية فقط , وان السياسات الاقتصادية المعتمدة في تركيا خلال عقد من الزمن سليمة تماما , وما وصلت اليه الليرة من تراجع حاد في قيمتها ازاء الدولار هو جزء من مؤامرة على اقتصاد بلادهم , واخر ذلك تصريح السيد ابراهيم كالين المتحدث باسم الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، يوم الأربعاء 23/8/2018 ،  معلقا على مقابلة أجراها مستشار الأمن القومي الأميركي جون بولتون مع “رويترز”، بالقول ” إن سياسات الإدارة الأميركية في الآونة الأخيرة تتعارض مع القيم والمبادئ الأساسية لحلف شمال الأطلسي حيث تستهدف شريكا لها في الحلف في اطار حرب اقتصادية ” وأضاف الناطق التركي بأن  ” إدارة ترامب برهنت على أنها تنوي استخدام التجارة والرسوم الجمركية والعقوبات لشن حرب تجارة عالمية ”  . هذا التسويق السياسي للازمة لا يعفي الحكومة التركية من الاسباب الحقيقية لظهورها والمتصلة بهشاشة السياسات الاقتصادية المعتمدة وعدم تمكنها من تعزيز الامن الاستراتيجي الاقتصادي الذاتي, وغياب الدروس التي خلفتها تداعيات الازمات الاقتصادية الدولية والاقليمية الناجمة عن سياسات توسعية غير امنة  كأزمة النمور الاسيوية عام 1996/1997, والازمة المالية العالمية عام 2008/2009 عن راسمي سياساتها الاقتصادية,  على الرغم من ان ذلك لا ينفي اننا على يقين من ان الولايات المتحدة الامريكية تسعى الى الحاق الاذى بتركيا لأسباب سياسية عديدة من ناحية , كما ان القرارات التجارية المتعلقة برفع الرسوم الجمركية على الصادرات التركية مضرة لها وهي اشبه بحصار تجاري لها من ناحية اخرى , لابل كان بمثابة الصاعق الذي فجر البالون الاقتصادي التركي .

فعلى الرغم من ان التجربة الاقتصادية التركية حققت نجاحات مميزة خلال العقد الاخير, وبلغ متوسط معدل نموها السنوي نحو 6.8% , وبلغ حجم الاقتصاد التركي نحو 880 مليار دولار    واصبحت واحدة من اكثر المقاصد السياحية العالمية نموا , كما اضحى قطاعها العقاري من القطاعات الاكثر نشاطا, فقد مثل قطاع العقار والبناء نسبة 10% من اجمالي الناتج المحلي الاجمالي, وعدت واحدة من الاقتصادات الاقوى اقليميا, وذلك عبر انغماسها التام في اليات العولمة من انفتاح نحو الاستثمارات الاجنبية وتحرير للأسواق المالية والنقدية حيث قامت بتعويم سعر صرف الليرة منذ عام 2001 , وتحرير حركة رأس المال عبر إلغاء القيود على استثمارات الأجانب في الأسهم والأوراق المالية, حتى تجاوزت رؤوس الاموال الاجنبية نسبة  75 % من رؤوس الأموال المتداولة في سوق الاستثمار التركي  , واصبحت البنوك الاجنبية تمثل نسبة  65%  من البنوك العاملة في تركيا ,  و74%  من قيمة الأسهم والسندات المتداولة في البورصة التركية هي لأفراد وشركات اجنبية ( أمريكية وألمانية وأوروبية) . واتبع البنك المركزي التركي سياسات نقدية توسعية لتشجيع القطاع الخاص على التوسع وانشاء المزيد من الاستثمارات, وترافق ذلك مع زيادة الانفاق الحكومي في شتى المجالات . فنجم عن كل هذه السياسات تعرض ميزانها التجاري للعجز الذي وصل متوسطه إلى نحو 85 مليار دولار سنوياً خلال السنوات الخمس الماضية، وبلغت ديونها الخارجية نحو 400 مليار دولار، ومنها نحو 102 مليار دولار ديون قصيرة الأجل . وان اغلب هذه الديون وُجّهت إلى قطاع الإنشاءات والبناء، الامر الذي أدى إلى تضخم الفقاعة العقارية وخلق ما يسمى بالازدهار الكاذب، الذي سرعان ما ينقلب إلى انكماش وكساد بمجرد حدوث أزمات اقتصادية وانفجار الفقاعة . هذه العوامل تنعكس مباشرة على قيمة الليرة التركية وتجعلها عرضة لهزات اسواق النقد او المال او العقار وهذا ما حصل فعلا , الامر الذي يؤثر سلبا على الشركات التركية العاملة داخل الدولة والموجه انتاجها للسوق الوطنية بالدرجة الاساس وتحصل على عوائد مبيعاتها  بالليرة التركية وتلك التي تملك اصولا مقومة بالعملة التركية , وفي نفس الوقت مكبلة بديون مقومة بالدولار او بالعملات الاجنبية الاخرى كاليورو , فيما لن تتأثر الشركات التركية العاملة خارج تركيا بفضل اعتمادها على استثمارات في الخارج . ومما زاد الطين بله كما يقال ارتفاع اسعار الفائدة على القروض المقومة بالدولار الامريكي . ولا يقتصر اثر ازمة الليرة التركية على الشركات التركية وانما يمتد الى جميع شركائها التجاريين مثل المانيا الاتحادية التي تعد ثاني أكبر مستثمر أجنبي في تركيا . ان خلاصة ما نريد الوصول اليه في هذه المقالة ان الازمة الراهنة لليرة التركية كشفت حقيقة الاختلالات الهيكلية المتعددة والمركبة المغطاة بعباءة النمو المرتفع للناتج المحلي الاجمالي التركي والذي بني على سياسات توسعية غير مضمونة النتائج, واستسهال الحصول على التمويل الاجنبي دون التفكير مليا بالعواقب المستقبلية الناجمة عن الاخفاق في تسديد القروض وفوائدها . ويبقى السؤال الاصعب ماهي الادوات والوسائل غير المعلنة التي يمكن لراسم السياسة الاقتصادية التركية ان يعتمدها لكبح جماح الازمة الراهنة وايقاف تداعياتها قبل ان تمتد لتجعل من الربيع الاقتصادي التركي مجرد ذكريات جميلة بدلا من الركض خلف اوهام نظرية المؤامرة .

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

يمكنك استخدام أكواد HTML والخصائص التالية: <a href="" title=""> <abbr title=""> <acronym title=""> <b> <blockquote cite=""> <cite> <code> <del datetime=""> <em> <i> <q cite=""> <strike> <strong>