الرئيسية / آخر الأخبار / نحو سياسات مالية واقتصادية جديدة لمواجهة تداعيات اسواق النفط العالمية

نحو سياسات مالية واقتصادية جديدة لمواجهة تداعيات اسواق النفط العالمية

 

د. اسعد حمود السعدون

اكاديمي وخبير اقتصادي

مع استمرارهبوط أسعار النفط لتصل إلى أدنى مستوياتها منذ خمس سنوات، حيث وصل سعر البرميل إلى  الستين دولار ، ومن المحتمل استمرار الانخفاض الى مادون ذلك. فأن تداعياته ستطال مملكة البحرين ولو بدرجة اقل من بقية اقتصاديات دول الخليج العربي لمحدودية انتاجها من النفط من جانب , ولتنوع مواردها من جانب اخر , الا ان تلكم التداعيات ستكون مؤثرة على الميزانية العامة التي تعاني اصلا من العجز شبه المزمن , فضلا عن ارتفاع الدين العام والحاجة الماسة لزيادة الانفاق العام لمواجهة متطلبات التنمية وتسريع الاصلاح الاقتصادي وتطوير وتنويع الخدمات وفي مقدمتها الخدمات الاسكانية لذوي الدخل المحدود , وغيرها من العوامل التي تتفاعل مع بعضها البعض لتؤدي إلى اتساع وتزايد الانفاق العام مثل العوامل السياسية الناجمة عن تشابك وتعقد الدور السياسي للدولة وطنيا واقليميا وعالميا، وكذلك العوامل الاجتماعية الناجمة عن زيادة الدورالاجتماعي للدولة وسعيها لتحقيق عدالة توزيع الدخل ومد مظلة الحماية الاجتماعية ودعم السلع والخدمات للفئات منخفضة الدخل ومساعدتها في الرفاهية الاجتماعية وصولا لتحقيق التنمية المستدامة . مما يتطلب اعتماد سياسات مالية واقتصادية جديدة تتسم بالفاعلية والديناميكية والواقعية وباعتماد حزمة من الاجراءات الفاعلة والمترابطة مع بعضها البعض لتحقيق الاستدامة المالية ودفع عجلة النمو الاقتصادي , بما يقي البلاد من شبح الركود وتراجع معدلات النمو وتوقف مشروعات التنمية. فكيف يمكن تحقيق ذلك ؟

بدءا لابد من التأكيد على ان السياسة الاقتصادية للدولة تتكون من مجموعة من السياسات القطاعية المتكاملة والمتداخلة كالسياسة المالية والنقدية والصناعية والزراعية والعقارية، الا ان السياسة المالية التي تعرف بانها ( الاسلوب او الالية التي تعتمدها الحكومة في تخطيط نفقاتها وايراداتها) تحتل مكانة هامة ومميزة بين هذه السياسات، لأنَّها تؤثر بجميع تلك السياسات وتحدد مساراتها عبر ادواتها المختلفة( الضرائب والرسوم , وتوزيع الانفاق العام, والدين العام , و الفائض ) وبالتالي فانها أصبحت الأداة الرئيسية من أدوات السياسة الاقتصادية في توجيه المسار الاقتصادي و معالجة ما يتعرض له من تحديات و أزمات، ورفع مستويات المعيشة وتحسين مؤشرات الرفاه الاقتصادي, فبالاضافة الى الاثار التوزيعية والتخصيصية لادوات السياسة المالية, توجد اثار استقرارية هامة, تتمثل في دور الانفاق الحكومي والضرائب والرسوم في التأثيرعلى الطلب الكلي ومن ثم على المتغيرات الاقتصادية الكلية . ويتعاظم هذا الدور في ظل الازمات الاقتصادية والسياسية والامنية التي تمس الاستقرار الوطني بأكمله, مما يقود الى ان السياسة المالية ينبغي لها ان توازن مالية الدولة بما ينسجم مع توازن الاقتصاد الوطني الذي هو محصلة لتوازنات جزئية(توازن اسواق السلع , توازن الاسواق النقدية , توازن اسواق العمل) تتفاعل فيما بينها وترتبط مع بعضها البعض وتتكامل في اطار السياسة الاقتصادية للبلاد . ولاجل ان تتمكن السياسة المالية من تحقيق اهدافها وممارسة دورها الفاعل في توفير مقومات الاستقرار والنمو الاقتصادي فانها عادة ما تصمم بناءا على تشخيص سليم للمتغيرات الاقتصادية والسياسية والاجتماعية ذات الاثر الفاعل على مجمل النشاط الاقتصادي في البلاد وبالتالي فانها اداة هامة من ادوات دعم السياسات الاقتصادية الاصلاحية الهادفة الى النهوض بالاقتصاد الوطني وتحقيق تطلعات المواطنين بالنهوض بمستوى دخولهم عبر زيادة الاجور والرواتب وتعديل معاشات المتقاعدين وتوسيع مظلة الرعاية الاجتماعية، وتوسيع قاعدة دعم السلع الاساسية .

ان مملكة البحرين تسعى عبر سياستها المالية الى التخصيص الامثل للموارد المتاحة وبما يخدم المواطنين ويوفر احتياجاتهم الموكل تنفيذها الى الدولة وتحقيق الاستقرار الاقتصادي والحد من الاختلالات وصولا لتحقيق التوازن الاقتصادي العام , الامر الذي يتطلب اعتماد برنامج لتطوير السياسات المالية والاقتصادية لتحقيق أعلى كفاءة بمستويات الأداء, والكفاءة في أوجه الصرف الحكومي والحفاظ على مستويات مقبولة للدين العام طبقاً لأفضل الممارسات العالمية المعتمدة في هذا المجال، مع تحسين تنافسية القطاعات الإقتصادية القائمة واستشراف قطاعات جديدة من شأنها دعم الإقتصاد الوطني وحقنه بموارد جديدة متواصلة ومتنامية وإيجاد المزيد من فرص العمل, و البناء على ما حققته المملكة من نتائج إيجابية في الحفاظ على سلامة مركزها المالي والإقتصادي على مدى العقود الماضية، والاجراءات الناجعة التي اعتمدتها لمواجهة تداعيات الأزمة المالية العالمية ، والتي اثبتت أهمية اعتماد الإجراءات والتدابير الكفيلة بضمان سلامة الوضع المالي في المديين المتوسط والبعيد مع الحفاظ على معدلات نمو اقتصادي مناسبة . الامر الذي يتطلب انشاء غرفة عمليات مالية واقتصادية للاشراف على تنفيذ برنامج لتطوير السياسات المالية والإقتصادية لأجل:

  • ترشيد واعادة ترتيب أولويات الانفاق الحكومي وضمان كفاءته, مثل تقليص الدراسات والاستشارات التي يتم احالتها الى بيوت خبرة اجنبية والاعتماد على الامكانات والموارد الذاتية, تقليص التخصيصات المالية للمعارض والمؤتمرات والندوات وتمويلها اعتمادا على رعاية مؤسسات القطاع الخاص, الاعتماد في تمويل عدد من المشروعات العامة كليا او جزئيا على القطاع الخاص من خلال الية المسئولية الاجتماعية للشركات على ان لايخل ذلك بمستوى الجودة, من جانب, ومن جانب اخر ان لايؤثر ترشيد الانفاق سلبا على مستوى الدعم الحكومي للسلع والخدمات العامة.
  • الحد من التوسع في هيكل الدولة وامتداد وتعدد هيئاتها العامة حيث يؤدي ذلك الى تقليص الانفاق العام,من ناحية, وتقليص وتبسيط الاجراءات في المعاملات الحكومية من ناحية اخرى, وحسنا فعلت قيادتنا الرشيدة بتقليص عدد الوزارات ومن هم بدرجة وزير .
  • تعزيز مصادر الإيرادات غير النفطية خاصة فيما يتعلق بتطوير وتحديث آليات التحصيل في الوزارات والهيئات الحكومية واعتماد اسلوب الوزارة المنتجة بحيث تعتمد الوزارات على نسب متصاعدة من التمويل على التمويل الذاتي المتحقق من عوائد الخدمات التي تقدمها للمواطنين ومن اصحاب المصلحة من تلكم الخدمات . واعادة النظر ببعض الرسوم التي لاتؤثر بشكل مباشر على المواطنين وبما يؤدي إلى ايجاد نوع من التوازن بين إيرادات الخدمات التي تؤدى لاسيما لغير المواطنين والذين يمثلون نسبة لاتقل عن 50% من السكان والمصروفات التي تنفق لتأدية هذه الخدمات .
  • المزيد من التفعيل لسياسات تنويع مصادر الدخل وتحقيق التوظيف الكامل للموارد الاقتصادية والبشرية واستثمار الطاقات المتاحة افضل استثمار بما يؤدي إلى تحقيق قيمة مضافة ملموسة ومتنامية كالتوسع في تأجير اراضي وسواحل منتخبة لشركات عامة مساهمة يتم تأسيسها لغرض تنميتها واستثمارها وبما يوفر مصدر دخل اضافي للمواطنين وصولا إلى التنمية المستدامة بكل ابعادها الاقتصادية والاجتماعية .                                                                
  • دفع عجلة النمو الإقتصادي في القطاعات الرئيسية الواعدة مثل تشجيع انشاء المزيد من المشروعات الانتاجية في القطاع الصناعي, والقطاع السياحي لاسيما في قطاع السياحة البيئية وقطاع سياحة التسوق والترفيه العائلي, وانشاء المزيد من المستشفيات والمراكز الطبية المتخصصة بما يجعل من البحرين مركزا اقليميا للسياحة العلاجية والامر نفسه ينطبق على تسهيل الاستثمار في المؤسسات التعليمية والجامعات الخاصة . وتيسير اجراءات الزيارة والاقامة للمستثمرين والقادمين للسياحة العلاجية او للدراسة وبالذات من الدول العربية التي تعاني من غياب الاستقرار الامني كسوريا والعراق وليبيا واليمن
  • التصدي وبحزم لكل انماط الفساد الاداري والمالي لما يسببه من هدر وضياع في المال العام .
  • المواجهة الحازمة لكل انماط اعمال العنف ومحاولات الاخلال بالامن والتخريب والاعتداء على المؤسسات العامة والخاصة لما لها من دور في زيادة الانفاق العام من ناحية , وهروب الاستثمارات وتقليص النشاطات من ناحية ثانية .

وختاما لابد من القول ان توجيهات صاحب السموالملكي الامير خليفة بن سلمان ال خليفة رئيس الوزراء في اجتماع مجلس الوزراء بتاريخ 26/مايو/2013 رسمت بشكل مبكر معالم الطريق الامثل للتعامل مع تحديات المالية العامة وصولا إلى تحقيق التوازن في الميزانية عبر تأكيد سموه على ضرورة أن تتحمل جميع الوزارات المسئولية في الحفاظ على الإيرادات العامة وتنميتها والحيلولة دون وجود أي مخالفات مالية وإدارية عبر تشديد الرقابة الداخلية، وضبط وترشيد الإنفاق وتعزيز الدخل والإنتاجية في الوزارات والجهات الحكومية بتقديم خيارات وتبني المزيد من البرامج والمبادرات لتحفيز الاقتصاد الوطني عبر تنويع مصادر وأشكال الدخل الحكومي من خلال استهداف القطاعات الواعدة ومن بينها القطاع السياحي والتجاري .

 

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

يمكنك استخدام أكواد HTML والخصائص التالية: <a href="" title=""> <abbr title=""> <acronym title=""> <b> <blockquote cite=""> <cite> <code> <del datetime=""> <em> <i> <q cite=""> <strike> <strong>